نادية قعلول… حين تتحوّل الهواية إلى مسيرة فنية تُقاوم الصمت

جيلاني فيتوري
في زمن تتسارع فيه الإيقاعات وتُختزل فيه الأحلام، تبرز قصص استثنائية تُذكّرنا بأن الشغف الحقيقي لا يبهت، بل يزداد توهّجًا مع مرور السنوات. من بين هذه القصص، تروي نادية قعلول حكاية امرأة جمعت بين الرياضة والفن، بين الانضباط الجسدي والخيال التشكيلي، لتصنع لنفسها مسارًا خاصًا عنوانه الإصرار والوفاء للحلم.
نادية، أستاذة تربية بدنية، لم تكن يومًا بعيدة عن عالم الألوان واللوحات. فمنذ نعومة أظافرها، نشأت في بيئة يملؤها الفن، حيث كان والدها، السيد حبيب قعلول، فنانًا تشكيليًا يُبدع على جدران المنزل، محوّلًا غرف النوم وقاعة الجلوس إلى فضاءات نابضة بالحياة. هناك، في تلك المساحات البسيطة، تشكّل وعيها الفني الأول، وتعلّمت أن الجمال يمكن أن يولد من أبسط التفاصيل.







لم تتلقَّ نادية تكوينًا أكاديميًا تقليديًا في الفنون، بل شقّت طريقها بنفسها، معتمدة على حسّها الفطري واجتهادها الشخصي. كانت عصامية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تكتشف أدواتها تدريجيًا، وتُطوّر تقنياتها عبر التجربة والمثابرة. فالرسم بالنسبة لها لم يكن مجرد هواية، بل وسيلة تعبير عميقة، ولغة صامتة تبوح بما تعجز الكلمات عن قوله.
اختارت نادية المدرسة الواقعية كفضاء فني تعبّر من خلاله عن رؤيتها للعالم. في لوحاتها، تحضر التفاصيل الدقيقة، وتبرز القدرة على التقاط اللحظة بكل صدقها. وجوه، مناظر، ومشاهد يومية تتحوّل بين يديها إلى أعمال تنبض بالحياة، تعكس حساسية فنية عالية وارتباطًا وثيقًا بالواقع.
ورغم مسيرة امتدت على مدى عشرين عامًا من العمل الصامت، ظلّ حلم تنظيم معرضها الفني الأول يرافقها كهاجس جميل. حلم لم يتلاشَ، بل ازداد وضوحًا مع مرور الوقت، ليصبح اليوم أقرب من أي وقت مضى. هو ليس مجرد محطة في مسيرتها، بل تتويج لرحلة طويلة من الشغف والصبر والتحدي.
قصة نادية قعلول ليست فقط قصة فنانة، بل هي أيضًا رسالة لكل من يحمل حلمًا مؤجّلًا: أن الوقت لا يلغي الأحلام، بل يمنحها عمقًا ومعنى. وأن الإيمان بالذات، مهما طال الانتظار، يبقى المفتاح الحقيقي لتحقيقها.



