آسيا اللطيف… مسيرة ثقافية تصل التراث بالحداثة

كتب جيلاني فيتوري

منذ أكثر من ثلاثة عقود، تعمل آسيا اللطيف على بناء رؤية ثقافية تقوم على المصالحة بين الذاكرة والإبداع المعاصر. فقد دشّنت عام 2003 معرض “الكمان الأزرق”، بعد تجربة أولى انطلقت سنة 1987 من خلال فضاء “عتيقة”، الذي أسسته ليكون فضاءً مخصصًا للفن الإسلامي والتراث البصري في المنطقة.

في بداياته، مثّل “عتيقة” منصة للحفاظ على الموروث الفني وجمع الشواهد الجمالية التي تعكس تاريخ الحضارة الإسلامية في المغرب الكبير. ومن خلال تكوين مجموعة فنية خضعت لمعايير دقيقة، أرست آسيا اللطيف تصورًا ثقافيًا يعتبر أن الحداثة الحقيقية لا تنشأ في فراغ، بل تتغذى من الإرث البصري والرمزي الذي راكمته الأجيال السابقة.

انطلاقًا من هذه القناعة، تبنّت قراءة خاصة للحداثة المغاربية، تقوم على اعتبارها امتدادًا واعيًا للتقاليد الفنية وليست قطيعة معها. ويضم “الكمان الأزرق” أعمالًا تنتمي إلى مدارس فنية من تونس والدار البيضاء وتطوان، وهي مدارس استلهمت لغتها التشكيلية من الزخارف الإسلامية والرموز الأمازيغية والعناصر البصرية التي شكّلت الهوية الثقافية للمغرب الكبير عبر القرون.

وخلال إدارتها لفضاء “عتيقة”، ساهمت آسيا اللطيف في توثيق مسارات الحداثة المغاربية ومواكبة إنتاجها الفني المعاصر. كما احتضنت أعمال عدد من الأسماء البارزة، من بينهم فريد بلكاهية وعلي بلاغة وشعيبية طلال، واضعة تجاربهم ضمن سياق تاريخي يربط بين الموروث الإسلامي الكلاسيكي والتعبيرات الفنية الحديثة.

ومع انتقالها من مجال تجارة الآثار إلى إدارة المعارض الفنية، واصلت اللطيف تطوير مشروعها الثقافي مستفيدة من خبرتها في التوثيق وحفظ التراث. وقد مكّنها اهتمامها بتعاقب الأجيال والذاكرة الجماعية من إرساء مقاربة مؤسسية تجمع بين صون الموروث والانفتاح على البحث والتبادل الثقافي الدولي.وتُعد آسيا اللطيف من الرائدات في إدارة المعارض الفنية بشمال أفريقيا، حيث لعبت دورًا مهمًا في التعريف بفناني المغرب الكبير على الساحة العالمية، وساهمت في إدخال أعمالهم إلى مجموعات ومؤسسات ثقافية ومتحفية مرموقة. وبذلك نجحت في تحويل التراث من مادة محفوظة في الذاكرة إلى عنصر حي يشارك في صياغة الهوية الثقافية المعاصرة.

وعلى امتداد هذه المسيرة، تجاوز معرض “الكمان الأزرق” وظيفته التجارية التقليدية، ليصبح فضاءً ثقافيًا يربط بين الأصالة والحداثة، ويؤكد أن الإبداع المعاصر يزداد ثراءً كلما حافظ على صلته بجذوره التاريخية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى