مهاجرو أفريقيا جنوب الصحراء في تونس: بين الحماية القانونية وواقع الممارسة
تحقيق استقصائي يرصد الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق، استنادًا إلى بيانات رسمية وشهادات ميدانية
في محطة القطار بالمرسى، التقيت بشاب من كوت ديفوار، نُشير إليه بالحرفين ب.ت حفاظًا على خصوصيته. تحدث بحذر وبصوت خفيض، ولم يوافق على تسجيل حديثه، فنُقل ما قاله من الذاكرة مباشرة بعد اللقاء: لم يأتِ إلى تونس للبقاء فيها، بل هي بالنسبة إليه بوابة نحو أوروبا. لكن لا هو قادر على المضي قُدمًا، ولا تونس تملك اليوم منظومة قانونية واضحة تحدد وضعه القانوني وهو على أرضها. قصته ليست استثناءً. تونس باتت محطة عبور، وأحيانًا مقامًا مطوّلًا، لآلاف الأفارقة القادمين من جنوب الصحراء، هربًا من أزمات اقتصادية ونزاعات وتغيرات مناخية في بلدانهم الأصلية. تتجاوز أهمية هذا الملف حدود الحالة الفردية: فهو يمس الاستقرار الاجتماعي الداخلي، وصورة تونس دوليًا كبلد عبور رئيسي نحو أوروبا، ومدى التزامها بتعهداتها الدولية في مجال حقوق الإنسان. وبين خطاب رسمي يتمسك بالسيادة الوطنية، وقانون موجود لكن ضعيف التفعيل، وشهادات ميدانية تصف واقعًا مختلفًا، استند هذا التحقيق إلى وثائق رسمية ومقابلات حصرية مع نائب برلماني ومحامية مختصة ومهاجرَين، جرت جميعها بتسجيل صوتي موثّق باستثناء لقاء واحد تحدث فيه صاحبه بحذر شديد ورفض التسجيل.
الأرقام: من التضارب إلى الرقم الرسمي
في يوليو/جويلية 2023، أعلن وزير الداخلية الأسبق كمال الفقيه عن وجود نحو 80 ألف مهاجر من أفريقيا جنوب الصحراء في تونس، منهم 17 ألفًا في صفاقس. في المقابل، تداولت بعض المنابر رقم 700 ألف، منسوبًا إلى الاتحاد التونسي للشغل، في تقرير نشرته صحيفة الصباح في أغسطس 2022. وتحقق مسبار من هذا الرقم في مارس 2023، وعند تواصل معدّي التحقق مع مسؤولي الاتحاد مباشرة، نفوا وجود أي دراسة داخلية تحمل هذا العدد، ما يجعل الرقم شائعة متداولة أكثر منه معطى موثقًا.
الرقم الأقرب للدقة اليوم صادر عن الإحصاء العام للسكان والسكنى لعام 2024، الذي استندت إليه استراتيجية المنظمة الدولية للهجرة في تونس (2025-2030) ووثيقة “البيان الديموغرافي” الرسمية للمعهد الوطني للإحصاء: 66,349 مهاجرًا من كل الجنسيات يقيمون في تونس، 48% منهم نساء، يتوزعون بين الجزائريين (18%) والليبيين (16%) والفرنسيين (15%) والمغاربة (10%)، فيما لا يزال لا يوجد رقم رسمي منفصل ودقيق لمهاجري أفريقيا جنوب الصحراء تحديدًا ضمن هذا المجموع. هذا الغياب لرقم فرعي دقيق ليس تفصيلًا تقنيًا بحتًا؛ فمن دون إحصاء موثوق لحجم فئة بعينها، يصعب على أي سياسة عمومية أن تستهدفها بدقة، سواء في التخطيط للخدمات أو في تقييم أثر أي إصلاح تشريعي مستقبلي.

الإطار التشريعي للهجرة واللجوء في تونس
صادقت تونس على اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين لعام 1951 (بالانضمام في 24 أكتوبر 1957) وبروتوكولها لعام 1967 (بالانضمام في 16 أكتوبر 1968)، لكنها لم تترجم هذا الالتزام إلى قانون وطني ينظم طلب اللجوء. كما لم تنضم بعد إلى الميثاق العالمي للهجرة، على الرغم من تصويتها لصالح إقراره في الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية 2018. في هذا الفراغ، تفرض الدولة غرامة 3000 دينار على كل مهاجر يتجاوز إقامته القانونية ثلاثة أشهر قبل مغادرته. هذا المبلغ، الذي يفوق قدرة أغلب المهاجرين، يعاقب من يريد البقاء ومن يريد الرحيل معًا: من لا يملك المال اللازم لتسديدها يبقى في وضعية غير نظامية حتى وهو يرغب بالعودة طوعًا. هذه الحلقة موثقة في دراسة لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (2024).

سألنا النائب طارق الربعي، رئيس كتلة “الوطنية المستقلة” وعضو لجنة الشؤون الخارجية والهجرة، عن هذا التناقض. أجاب أنه لا يوجد حاليًا داخل البرلمان أي نقاش لتعديل الغرامة، وأن عدم انضمام تونس للميثاق العالمي للهجرة يعود لكونه “غير ملزم قانونيًا” ولم يُطرح كنقاش تشريعي رسمي. في المقابل، أكد وجود مبادرات تشريعية قيد النظر تنسجم مع الموقف الرسمي القائم على رفض التوطين واحترام السيادة الوطنية. في تصريحات أخرى لكاتب هذا التحقيق، شدد الربعي على أن أي مقاربة فعالة للهجرة يجب أن تكون اقتصادية وتنموية أولًا، لا أمنية فقط، داعيًا لتعزيز الاستثمار وخلق فرص عمل للشباب، وفتح قنوات هجرة قانونية منظمة مع أوروبا، وتعزيز التعاون بين القارتين الأفريقية والأوروبية لمعالجة الأسباب الجذرية للهجرة غير النظامية. بعبارة أخرى: الحل، من منظور صانع القرار، اقتصادي وتنموي قبل أن يكون تشريعيًا بالضرورة – وهو موقف قد يفسر جزئيًا سبب بطء الإصلاح القانوني الذي يوثقه هذا التحقيق.
النص والتطبيق
تملك تونس قانونًا لمناهضة التمييز العنصري: القانون الأساسي عدد 50 لسنة 2018، المنشورفيالرائدالرسمي (26 أكتوبر 2018). الفصل 8 يعاقب بالسجن من شهر إلى عام وخطية 500-1000 دينار كل من يرتكب فعلًا تمييزيًا، وتُضاعف العقوبة في أربع حالات: إذا كانت الضحية طفلًا، أو في حالة استضعاف بسبب السن أو الإعاقة أو الحمل، أو مهاجرًا أو طالب لجوء، أو إذا كان مرتكب الفعل يملك سلطة قانونية أو فعلية على الضحية. الفصل 9 يرفع العقوبة إلى ثلاث سنوات وخطية تصل إلى 3000 دينار لمن يحرّض على الكراهية العنصرية أو ينشر أفكارًا قائمة على التفوق العنصري. لماذا إذن تبدو صورة التمييز، كما رواها لنا مهاجرون، أوسع من هذا النص؟

أوضحت المحامية يسرى دباش، في مقابلة حصرية، أن القانون “مُفعَّل” أمام المحاكم، لكن قلة القضايا المرفوعة لا تعني قلة التمييز، بل أن الضحايا، بحكم هشاشتهم الاجتماعية، يفضلون غالبًا كتمان حقهم بدل اللجوء للقضاء – ظاهرة قارنتها بضعف الإبلاغ عن العنف ضد المرأة على الرغم من وجود قانون رادع. كشفت دباش أيضًا أن قضايا التمييز كانت تُعالج أحيانًا، قبل 2018، تحت طائلة قانون مكافحة الإرهاب لعام 2003، وأن هذا التداخل التصنيفي ما زال قائمًا أحيانًا في الممارسة. الأخطر في شهادتها يتعلق بمعضلة انعدام الوثائق: تبدأ المحاكم بتفريق واضح بين المهاجر النظامي وغير النظامي، لكن من لا يملك أي وثيقة هوية على الإطلاق يجد القاضي “لا ينجم يتعامل معه”، إذ لا يملك من يشهد له أو يضمنه، بخلاف المواطن التونسي. صحيح أن القانون يمنح المهاجر أمام القضاء نظريًا كل ضمانات المواطن، لكن هذه الضمانات تصطدم عمليًا بغياب الوثائق. وكشفت دباش أن القضاة يسألون المهاجرين الموقوفين عن تسجيلهم لطلب عودة لبلدانهم، ويُنصح من لم يسجّل بعد بذلك، إذ يُؤخذ هذا التسجيل بعين الاعتبار عند تحديد العقوبة أو الإفراج المؤقت – ما يطرح سؤالًا عن حدود “الطوعية” الكاملة في هذه العودة. وحول أي إصلاح تشريعي، كانت إجابتها حاسمة: لا يوجد اليوم أي مشروع تعديل معروض أمام البرلمان، في ظل أولوية معلنة للاعتبارات الأمنية. قيود أخرى تطال المهاجرين بعيدًا عن ملف اللجوء تحديدًا. تشترط مجلة الشغل التونسية (الصادرة أساسًا عام 1966) أولوية تشغيل التونسيين، ولا يجوز تشغيل أجنبي إلا في الاختصاصات التي تفتقر تونس لكفاءات وطنية فيها. كما يُمنع على المهاجرين من خارج دول الاتحاد المغاربي تملّك عقار في تونس من دون رخصة مسبقة من الوالي، بموجب الأمر المؤرخ في 4 جوان 1957 والمنقّح بالقانون عدد 40 لسنة 2005. هذان القيدان يوسّعان دائرة الهشاشة القانونية للمهاجرين إلى ما هو أبعد من ملف الهجرة غير النظامية وحده.
الصحة والتعليم ووثائق الهوية: أبرز تحديات المهاجرين في تونس
بحسب دباش، يتمتع المهاجرون غير النظاميين، حتى من دون وثائق، بحق العلاج المجاني في المستشفيات العمومية، بما يشمل متابعة الحمل والولادة، بدعم من الدولة والهلال الأحمر وجمعيات المجتمع المدني. وأبناؤهم مسجلون في رياض الأطفال والمدارس العمومية، التزامًا بمعاهدات دولية صادقت عليها تونس. هذا يتقاطع مع ما ورد في وثيقة استراتيجيةالمنظمةالدوليةللهجرة، التي تؤكد حق التعليم المجاني بموجب قانون 2002، وحق المنخرطين في الضمان الاجتماعي لحاملي تصاريح العمل. تحدد استراتيجية المنظمة لتونس (2025-2030) ثلاثة أهداف رئيسية لعملها في البلاد: حماية المهاجرين وتأمين وصولهم للخدمات الأساسية، معالجة الأسباب العميقة للهجرة غير النظامية عبر برامج تنموية موجهة للشباب، وتيسير مسارات هجرة نظامية بديلة. الوثيقة تقر بأن “الوصول إلى الحماية والخدمات الأساسية” للمهاجرين في تونس شهد تراجعًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، مع تسجيل حالات متزايدة من تدهور الحالة الصحية وصعوبة الحصول على وثائق الهوية القانونية، خاصة تسجيل المواليد. كما تشير الوثيقة إلى ازدياد ملحوظ في حالات الأطفال المهاجرين غير المصحوبين بذويهم أو المنفصلين عن عائلاتهم خلال رحلة الهجرة، وهي فئة تُعد من الأكثر عرضة للاستغلال وسوء المعاملة.
حين يروي مهاجر إيفواري تجربته في تونس
التقينا ك.ك، شابًا إيفواريًا يقيم في تونس في وضعية غير نظامية، يعمل بانتظام طوال الأسبوع تقريبًا. لم تكن رحلته بحثًا عن معبر نحو أوروبا في الأصل، بل جاء لمتابعة تكوين مهني، قبل أن يضطر لتغيير مساره بسبب ما وصفه بتدهور الوضع الأمني للأفارقة جنوب الصحراء في تونس. يصف ك.ك شعورًا يوميًا بعدم الأمان على الرغم من انتظامه في العمل: التعامل مع المهاجرين أثناء التوقيف، برأيه، لا يميّز بين من يعمل ومن لا يعمل، ومجرد الانتماء لحي معيّن قد يكفي للتوقيف من دون تحقيق فردي. عندما سألناه عن غرامة الـ3000 دينار تحديدًا، جاءت إجابته مقتضبة وعامة، إذ قال إن أولويته حاليًا هي التركيز على العودة لبلاده في ظل الظروف الراهنة، أكثر من الانشغال بتفاصيل الغرامة. وحول التمييز العنصري، قال إنه موجود “حتى في القوانين ووسائل النقل العام”. شهادته تفكك صورة نمطية شائعة: فهو لا يعتبر أن كل المهاجرين هدفهم النهائي أوروبا؛ هو نفسه مرتاح نسبيًا بوضعه في تونس بفضل عمله. رسالته للمهاجرين الجدد كانت تحذيرية: التوقيف قد يطال أي شخص بناءً على منطقة سكناه فقط، من دون تحقيق معمّق. في المقابل، يقدّم الخطاب الرسمي سياقًا مختلفًا لهذه المخاوف. ففي تصريح لإذاعة إكسبرس إف إم (أبريل 2025)، أكد العميد حسام الدين الجبابلي، الناطق الرسمي باسم الإدارة العامة للحرس الوطني، أن الوحدات الأمنية واصلت إزالة مخيمات عشوائية للمهاجرين الأفارقة في منطقتي العامرة وجبنيانة بولاية صفاقس، أبرزها “هنشيرالقرقني” (نحو 2500 مهاجر) و“هنشير أولاد حمد” (بين 800 و1000 مهاجر)، ليصل إجمالي من شملتهم عمليات الإزالة إلى نحو 9 آلاف شخص عبر 6 مخيمات. وأوضح أن كل عملية إزالة تقابلها “رغبة وإقبال كبيران” من المهاجرين على التسجيل للعودة الطوعية لدى المنظمة الدولية للهجرة، فيما تقدّم مالك أحد الهناشير بشكاوى جزائية لاسترجاع أرضه. وفي تصريح لاحق لقناة فرانس 24، أفاد الجبابلي بأن عدد المستفيدين من برنامج العودة الطوعية عبر مخيم كيلومتر 21 بلغ 4,620 مهاجرًا منذ يوليو 2025، و27 ألف مهاجر خلال السنوات الثلاث الأخيرة بالتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة. وردًا على واقعة اعتداء على عائلة مهاجرة أثارت إدانة منظمات حقوقية، أكد أن الوحدات الأمنية أوقفت المتورطين في تصوير الاعتداء ونشره على مواقع التواصل الاجتماعي. هذا الموقف الأمني ينسجم مع موقف رئاسي أعلى: ففي تصريح لموقع نسمة بتاريخ 6 أبريل 2025، شدد الرئيس قيس سعيّد، خلال كلمة بالمنستير، على رفض تونس “أي توطين أو تغيير ديموغرافي”، معتبرًا أن عملية إجلاء المهاجرين من العامرة وجبنيانة أحبطت “مؤامرة” لتوطينهم، وأنها جرت “دون إطلاق أي طلقة” وبالتنسيق مع الهلال الأحمر والحماية المدنية. شهادة مشابهة، لكن من صوت نسائي نادر الحضور في هذا الملف، قدّمتها م.ك، امرأة من باماكو بمالي تقيم في تونس دون وضعية قانونية (رفضت التسجيل الصوتي أو الظهور، ونُقلت إجاباتها بأمانة من الذاكرة مباشرة بعد الحوار). تقول إنها جاءت بحثًا عن حياة أفضل ولإعانة عائلتها، وتصف أيامها الأولى بأنها كانت مليئة بالخوف قبل أن تتعرف على تونسيين “تعاملوا معها بإنسانية”. تعمل حاليًا في جمع البلاستيك من القمامة لإعادة بيعه، وتؤكد أنها لم تتعرض شخصيًا لعنصرية كبيرة من التونسيين، لكنها تواجه أحيانًا نزاعات مع مهاجرين آخرين على مناطق العمل غير الرسمية نفسها. أكثر ما تحتاجه، كما تقول، هو “وضع قانوني واضح يسمح لي بالعيش والعمل دون خوف”.
العودة الطوعية في تونس: بين البيانات الرسمية والتجارب الفردية
بحسب بلاغ رسمي لمنظمة الهجرة الدولية في تونس (17 يوليو 2026)، ساعدت المنظمة 3,295 مهاجرًا على العودة الطوعية خلال النصف الأول من 2026، أبرز وجهاتها غينيا (26%) وكوت ديفوار (19%) والكاميرون (9%)، عبر 5 رحلات مستأجرة و182 رحلة تجارية نحو 32 دولة، شملت 71% رجالًا و18% نساء و11% أطفالًا. ومنذ 2023، تجاوز عدد المستفيدين 21,597 مهاجرًا عبر 41 دولة، بدعم من الاتحاد الأوروبي والنمسا وفرنسا وإيطاليا وهولندا والتشيك وبريطانيا وسويسرا والسويد. خلف هذه الأرقام حكايات فردية: عثمان، العائد إلى غينيا، عبّر عن نيته إعادة فتح متجره للملابس. وأوا، العائدة إلى كوت ديفوار مع طفلها، أطلقت نشاطًا في المطاعم بدعم بريطاني. قصص لا تُلغي الصورة القاتمة التي رسمتها شهادة ك.ك، لكنها تذكّر بأن العودة ليست دائمًا مأساة. لمن يبحث عن معلومات حول برنامج العودة الطوعية، نظّمت المنظمة الدولية للهجرة في أبريل 2026 يومًا مفتوحًا بمكاتبها في تونس لتعريف المهاجرين بخدمات المساعدة المتاحة، وتوفر خطًا هاتفيًا مجانيًا من الاثنين إلى الجمعة على الرقمين 80101566 (تونس) و80105561 (صفاقس).
الفجوة بين الضمانات القانونية وواقع الحماية
بحسب التحديث التشغيليا لشهريللمفوضيةالساميةلشؤوناللاجئينحولتونس (مايو 2026)، يبلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين رسميًا في تونس 7,515 شخصًا (حتى 30 أبريل 2026)، منهم 95% من دول متأثرة بنزاعات مسلحة، أبرزها السودان (3,740) وسوريا (1,915) والصومال (421) وإريتريا (165) والكاميرون (154). من احتياجات المفوضية البالغة 8 ملايين دولار لعام 2026، لم يُموَّل سوى 56% منها (4.5 مليون دولار) حتى نهاية مايو، تاركًا فجوة تناهز 3.5 مليون دولار (44%).

الأهم أن المفوضية تقر، في الوثيقة ذاتها، بأن من بين المسجلين فئات شديدة الهشاشة: ضحايا تعذيب، ناجون من عنف قائم على النوع الاجتماعي، وقُصّر غير مصحوبين بذويهم، وأنها تواصل تكييف عملياتها في تونس استجابة لتغير السياق، من خلال التنفيذ المباشر وعبر شركاء وطنيين معًا – اعتراف أممي مستقل يؤكد ما رصدته الشهادات الميدانية من الداخل. المشكلة الجوهرية في ملف مهاجري أفريقيا جنوب الصحراء بتونس ليست غيابًا كاملًا للأطر القانونية. تونس تملك قانونًا لمناهضة التمييز، وتوفر الصحة والتعليم للمهاجرين حتى غير النظاميين، وتشارك في برامج دولية للعودة الطوعية. الفجوة الحقيقية أعمق: غياب قانون وطني شامل للجوء على الرغم من التزامات دولية موقّعة منذ عقود، وتطبيق متفاوت لقانون مناهضة التمييز يصطدم بهشاشة اجتماعية تمنع الضحايا من المطالبة بحقهم، ومعضلة “الهوية القانونية” التي تترك من لا يملك وثائق بلا حماية فعلية أمام القضاء، وغرامة مالية تحوّل الرغبة في المغادرة إلى مأزق إضافي. أربع فجوات متراكمة، لا فجوة واحدة، وكل واحدة منها موثقة في هذا التحقيق بمصدرها الرسمي أو شهادتها المباشرة. ب.ت، الشاب الذي التقيناه على رصيف محطة المرسى، لا يعرف تفاصيل الفصل الثامن من القانون عدد 50، ولا أرقام تمويل المفوضية الأممية. لكنه يعرف شيئًا واحدًا بيقين: أنه واقف في مكان لا يملك فيه إجابة واضحة عن سؤال بسيط: من أنا، أمام القانون، في هذا البلد؟ يبقى هذا السؤال معلّقًا بلا جواب حاسم، والفجوة بين ما هو مكتوب وما هو مطبَّق لن تُسدّ بمزيد من التصريحات، بل بإرادة سياسية وتشريعية واضحة لم تتبلور بعد. وإلى أن يحدث ذلك، سيظل آلاف مثله بين هوية قانونية منقوصة وحلم لا يزال بعيد المنال. “تم إنتاج هذا التقرير بدعم من الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية ضمن زمالة الذكاء الاصطناعي في الإعلام لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهذا المحتوى لا يعكس بالضرورة وجهة نظر الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية. استُعين بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية في إعداد هذا العمل. وقد رُوجع المحتوى بالكامل وجرى التحقق من دقّة كل معلومة ومصدر ورد فيه قبل النشر، وقد ساعدت إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي في لفت الانتباه إلى تضارب بين أرقام رسمية من مصادر مختلفة، واتُّخذ القرار النهائي بشأن الرقم المعتمد بعد تحقق بشري مباشر من المصدر الأصلي، كما بُذل الجهد قدر الإمكان لتنقية المخرجات من أي تحيّز، سواء في اللغة أو في تأطير الأحداث أو في اختيار المصادر. وتقع المسؤولية التحريرية الكاملة عن هذا العمل على عاتق معدّه.”
إعداد: أحمد الفريقي



