سامي المالكي: ”توثيق الذاكرة الإعلامية واجب … ومن لا يحفظ تاريخه لا يصنع مستقبله“

في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتغير وسائل إنتاج المعرفة واستهلاكها، يواصل الدكتور سامي المالكي، أستاذ معهد الصحافة وعلوم الأخبار، رهانه على الكتاب باعتباره الحصن الأخير لذاكرة الإعلام التونسي. فمن خلال إصداره الجديد “الإعلامي محمد بن رجب… نافذة على الثقافة التونسية”، يفتح المالكي صفحة جديدة في مشروع توثيقي يسعى إلى حفظ سير أعلام الصحافة التونسية وتقديمها للأجيال القادمة.

في هذا الحوار، تحدث الدكتور سامي المالكي عن دوافع اختياره للإعلامي الراحل محمد بن رجب، وعن مشروعه الهادف إلى توثيق مسيرة كبار الصحفيين التونسيين، كما تناول علاقة الكتاب الورقي بالتحول الرقمي، وأهمية حفظ التراث الإعلامي الوطني.

مشروع لتوثيق أعلام الصحافة التونسية

أكد الدكتور سامي المالكي أن كتابه الجديد لا يمثل عملاً معزولاً، بل يأتي ضمن مشروع ثقافي متكامل يحمل عنوان “أعلام الإعلام في تونس”، يهدف إلى توثيق مسيرة أبرز الأسماء التي صنعت تاريخ الصحافة والإعلام في البلاد.

وأوضح أن المشروع يشمل الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون وحتى الإعلام الرقمي، باعتبار أن المشهد الإعلامي يشهد تحولات متسارعة تستوجب التوثيق والدراسة، مشيراً إلى أن الصحافة المكتوبة كانت خلال سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي تمثل العمود الفقري للمشهد الإعلامي التونسي.

محمد بن رجب… وفاء لوعد قبل أن يكون كتاباً

وحول اختياره للإعلامي الراحل محمد بن رجب موضوعاً لأولى إصدارات المشروع، كشف المالكي أن الأمر يرتبط قبل كل شيء بوعد شخصي قطعه له خلال فترة مرضه.

وقال إنه كان ينوي إنجاز كتاب بالاشتراك معه يوثق لمسيرته الفكرية والإعلامية، إلا أن رحيل محمد بن رجب حال دون ذلك، فكان إصدار هذا الكتاب بمثابة وفاء بالعهد وتقديراً لمسيرة إعلامية وثقافية تركت بصمة واضحة في تاريخ الصحافة التونسية.

وأكد أن محمد بن رجب لم يكن مجرد صحفي، بل كان شاهداً على الحياة الثقافية والفكرية في تونس، حيث كتب في الرواية والشعر والمسرح والسينما والقصة، ما يجعل العودة إلى إنتاجه ضرورة لكل باحث في الثقافة التونسية.

مشروع لن يتوقف عند اسم واحد

وبيّن المالكي أن مشروع التوثيق سيشمل أسماء أخرى صنعت تاريخ الصحافة التونسية، كاشفاً أن كتاباً جديداً حول الصحفي الكبير محمد قلبي أصبح جاهزاً للصدور، إلى جانب مشاريع أخرى تتناول شخصيات مثل لطفي الفراتي وصلاح الحاجة وأحمد عامر والبشير رجب وآسيا العتروس وغيرهم.

ويرى أن هذه الشخصيات لا ينبغي أن يطويها النسيان، لأنها أسهمت في بناء المشهد الإعلامي والثقافي التونسي، وأن من واجب الباحثين إعادة تقديم سيرهم للأجيال الجديدة.

البحث في الإعلام التونسي… مجال ما يزال بكراً

واعتبر الدكتور سامي المالكي أن الدراسات المتعلقة بتاريخ الإعلام التونسي ما تزال محدودة مقارنة بأهمية هذا القطاع، رغم وجود بعض الإسهامات السابقة.

وأشار إلى أن الأرشيف الوطني والصحف القديمة يختزنان مادة علمية ضخمة تنتظر من ينقب فيها، داعياً مخابر البحث والجامعات إلى الانخراط بجدية في دراسة تاريخ الصحافة والإعلام في تونس.

وأضاف أن توثيق المؤسسات الإعلامية لا يقل أهمية عن توثيق الشخصيات، مستشهداً بكتابه السابق حول مؤسسة دار الصباح، معتبراً أن صحفاً أخرى مثل الأنوار والشروق تستحق بدورها دراسات أكاديمية تحفظ تاريخها.

“من لا يحفظ التاريخ لا يحفظ المستقبل”

ومن أكثر اللحظات تأثيراً في الحوار، استحضار المالكي لتجربة عاشها خلال زيارة إلى إحدى المدن الفرنسية، حيث تحولت كنيسة قديمة إلى فضاء لحفظ المخطوطات والوثائق التاريخية.

ويروي أنه سأل المشرفين عن سر هذا الاهتمام الكبير بالوثائق المكتوبة، فكان الجواب عبارة ظلّت راسخة في ذاكرته:

“من لا يحفظ التاريخ، لا يحفظ المستقبل.”

ويقول إن هذه العبارة كانت دافعاً إضافياً لتعزيز قناعته بأن كل قطاع في تونس مطالب بحفظ ذاكرته، سواء تعلق الأمر بالقضاء أو المحاماة أو الهندسة أو الإعلام، لأن الأمم التي تهمل أرشيفها تفقد جزءاً من هويتها.

الذكاء الاصطناعي لا يلغي قيمة الكتاب

ورغم إيمانه بأهمية التحول الرقمي، شدد المالكي على أن الثورة التكنولوجية لا يمكن أن تكون بديلاً عن الكتاب الورقي.

وأكد أن النسخة الإلكترونية والكتاب المسموع يمثلان وسائل حديثة لنشر المعرفة والوصول إلى جمهور أوسع، لكنه يرى أن الكتاب الورقي يظل شاهداً مادياً على المرحلة التاريخية، ويحمل قيمة رمزية لا يمكن تعويضها.

وقال إن المطلوب هو الجمع بين الوسيلتين، من خلال مواكبة التطور التقني مع الحفاظ على أصالة التوثيق الورقي.

رحلة أكاديمية امتدت لعقود

وتحدث الدكتور سامي المالكي أيضاً عن مسيرته الأكاديمية التي اختتمها هذا العام بعد سنوات طويلة من التدريس بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار.

وأوضح أن اهتمامه بالتأليف بدأ بالكتب الأكاديمية، من بينها كتاب “مدخل في العلاقات العامة” الموجه لطلبة الجامعات، قبل أن ينتقل إلى قضايا الاتصال السياسي من خلال كتاب “الصورة الذهنية وتمثلات الساسة الجدد في تونس” الذي تناول التحولات السياسية بعد سنة 2011.

غير أن اهتمامه بالتوثيق التاريخي للإعلام أصبح لاحقاً محوراً رئيسياً في مشروعه البحثي، إيماناً منه بأن حفظ الذاكرة الإعلامية يمثل مسؤولية وطنية قبل أن يكون عملاً أكاديمياً.

رسالة إلى الباحثين الشباب

وفي ختام الحوار، وجه الدكتور سامي المالكي رسالة إلى الباحثين والطلبة، دعاهم فيها إلى الاهتمام بالأرشيف الوطني وبتراث الصحافة التونسية، وعدم الاكتفاء بالمصادر الرقمية الحديثة.

وأكد أن كل جيل مطالب بترك أثره للأجيال اللاحقة، مضيفاً أن الباحث الحقيقي لا يكتفي بإنتاج المعرفة، بل يعمل أيضاً على حماية الذاكرة الجماعية وصونها من النسيان.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن مستقبل الإعلام التونسي لا يمكن أن يُبنى دون معرفة دقيقة بماضيه، وأن حفظ تاريخ الصحافة هو في النهاية استثمار في مستقبل الثقافة الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى