«إنقطاع – Corruption» .. حين تصبح السينما أداة للتوعية

من معتمدية سيدي عمر بوحجلة – القيروان ، يقدّم نخبة من شباب الجهة تجربة سينمائية تستحق التوقف عندها، من خلال الفيلم القصير «إنقطاع – Corruption»، المشارك ضمن مسابقة «الفيديو التوعوي بالإبداع البشري» في فعاليات الدورة السادسة للمهرجان الدولي للفيديوهات التوعوية FIVS 2026.
الفيلم، الذي أخرجه وكتبه بدر الدين حمداوي بالاشتراك مع حسام ضيفاوي، يختار موضوع الساعة في تونس، وهو انقطاع التيار الكهربائي وما يمكن أن يخلّفه من أضرار.
ينطلق العمل من وضعية تبدو بسيطة وعادية، لكنها سرعان ما تتحول إلى سلسلة من التداعيات، إذ يتسبب انقطاع الكهرباء في تلف بضاعة صاحب مطعم (بطل الفيلم)، الأمر الذي اثر في حالته النفسية والصحية، قبل أن يكشف الفيلم من جهة أخرى عن جانب مختلف من المشكلة، عندما يؤدي انقطاع الكهرباء إلى قطع خدمة الإنترنت عن ابنه الذي كان يعمل عن بعد Télétravail، لتكون النتيجة أكثر قسوة بفقدانه لعمله.
وهنا تكمن إحدى نقاط قوة العمل، إذ يبدع مخرج العمل في تطويع الرسالة الفنية حيث لم يتعامل مع الكهرباء باعتباره مجرد خدمة أساسية مرتبطة بالإنارة والأجهزة المنزلية، بل بارطباطه المباشر بالرزق والعمل والاستقرار الاقتصادي والحياة اليومية للمواطن.
وبهذه المقاربة،نجح شباب بوحجلة في تحويل قضية قد تبدو تقنية خدماتية إلى قصة إنسانية تلامس الواقع التونسي وتدفع المشاهد إلى التفكير في قيمة الطاقة ومسؤولية المحافظة عليها.
وفي نهاية الفيلم، تأتي الرسالة التي تختصر الفكرة الأساسية للعمل: الحفاظ على الكهرباء وترشيد استهلاكها، فمواجهة مشاكل الطاقة لا تكون فقط بانتظار الحلول من المؤسسات الحكومية فحسب، وإنما تبدأ أيضًا من السلوك الفردي والمسؤولية الجماعية؛ إذ إن إطفاء مصباح غير ضروري أو تجنب استهلاك الكهرباء دون حاجة قد يبدو تصرفًا بسيطًا، لكنه عندما يتحول إلى سلوك جماعي يصبح جزءًا من ثقافة ترشيد الاستهلاك والمحافظة على الموارد.
وما يستحق الإشادة في «إنقطاع – Corruption» هو أن الفيلم يأتي من شباب بوحجلة استطاعوا تولي مختلف مراحل الإنتاج بأنفسهم، حيث جمع بدر الدين حمداوي بين الإخراج والفكرة والسيناريو وإدارة التصوير والتصوير والمونتاج والموسيقى والميكساج، بينما شاركه حسام ضيفاوي في الفكرة والسيناريو والتمثيل، وشاركهما أمين غريبي في التصوير والتمثيل.
ويبرز الضيفاوي في هذا العمل باعتباره اكتشافًا فنيًا واعدًا، أبدع في أداء دوره بصدق وعفوية لافتة، فقد نجح في التعبير عن التحولات النفسية للشخصية، من القلق والانزعاج إلى الإحساس بالخيبة وفقدان الأمل، دون مبالغة أو افتعال، معتمدًا على حضور هادئ وتفاصيل أداء دقيقة جعلت الشخصية قريبة من المشاهد ومقنعة في مختلف مراحلها. ليؤكد أن لديه طاقة تمثيلية تستحق المتابعة.
ختاما، هذه التجربة تؤكد أن صناعة الأفلام لا تحتاج بالضرورة إلى إمكانيات إنتاج ضخمة بقدر ما تحتاج إلى فكرة واضحة، وسيناريو قادر على إيصالها، وشباب يؤمنون بقدرتهم على صناعة الصورة وتحويل الواقع إلى مادة فنية تحمل رسالة.



