سهيلة بن عمارة… لبوة البحار التي أعادت تعريف الحضور النسائي في الملاحة التونسية


لا يمكن اختزال مسيرة سهيلة بن عمارة في كونها امرأة اقتحمت مجالًا يُصنَّف تقليديًا ضمن المهن الشاقّة التي يهيمن عليها الرجال، بل هي قصة نجاح مهني وإنساني متكامل، جسّد قدرة المرأة التونسية على فرض حضورها بثبات وكفاءة في أصعب البيئات العملية، وفي قطاع حساس وحيوي كالملاحة البحرية.
فقد اختارت سهيلة منذ بداياتها العمل على بواخر السفر، في مختلف الفصول والظروف المناخية، غير آبهة بهياج البحر ولا بطول ساعات العمل ولا ببعد المسافات عن اليابسة. كان البحر بالنسبة إليها مدرسة حقيقية، صقلت فيها شخصيتها المهنية، واختبرت فيها قدرتها على التحمل، واتخذت منه فضاءً لإثبات الذات، حيث برزت بصلابة في الأداء، وانضباط في السلوك، وقدرة عالية على التعامل مع الضغط اليومي ومتطلبات الركّاب.
ولم يكن حضورها المهني مجرّد التزام بالواجب، بل تميّزت بأسلوب راقٍ جمع بين الحزم والإنصات، وبين الانضباط والبعد الإنساني، ما جعلها تحظى باحترام زملائها وثقة المسافرين على حدّ سواء. كلّ من عبر البحر نحو أوروبا لا بدّ أنه صادف ابتسامتها، أو لمس قدرتها على الإصغاء لآلاف الركّاب، وسعيها الدائم إلى إيجاد حلول عملية وسريعة لمختلف الإشكاليات، في مشهد يومي يعكس حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها.
وبفضل مسار مهني اتسم بالجدية والإخلاص، شقّت سهيلة بن عمارة طريقها بثبات داخل الشركة التونسية للملاحة، إلى أن تُوِّج هذا المسار مؤخرًا بانتخابها كاتبًا عامًا للنقابة الأساسية لأعوان وإطارات الفندقة بالشركة. وهو منصب لم يكن مجرّد تتويج رمزي، بل اعتراف صريح بكفاءتها، ودبلوماسيتها العالية، وقدرتها على الدفاع عن حقوق زملائها، والعمل على تعزيز روح التضامن والمسؤولية داخل المؤسسة.
ثقة الزملاء في سهيلة لم تأتِ من فراغ، بل بُنيت على سنوات من العمل الميداني المتواصل، والالتزام بقيم الشفافية والإنصاف، وحبّ صادق للمهنة وللشركة. فقد كانت، في كل محطة، صوتًا هادئًا وعقلًا عمليًا، تجمع بين الدفاع عن الإطار المهني والحفاظ على صورة المؤسسة الوطنية التي تمثل واجهة تونس في البحر الأبيض المتوسط.
ومن خلال تجربتها اليومية، حملت سهيلة بن عمارة رسالة واضحة ومستمرة: الشركة التونسية للملاحة ليست مجرد وسيلة نقل، بل هي فضاء عمل وطني يجسّد تفاني نساء ورجال آمنوا بخدمة المسافر ورفع راية الوطن عاليًا في عرض البحر.
وتبقى مسيرة سهيلة بن عمارة نموذجًا مضيئًا للمرأة التونسية، ودليلًا حيًّا على أن الإخلاص في العمل، مقرونًا بالكفاءة والصبر، قادر على صناعة الفارق وفتح الآفاق، حتى وسط أمواج البحر العاتية.
منتصر ساسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى