تونس: قوة سياحية كامنة تنتظر “التفعيل الذكي”

بقلم: نبيل المرزوقي
خبير ومختص في المجال السياحي بخبرة دولية
من خلال تجربتي المهنية في قطاع السياحة والعمل مع كبرى المجموعات العالمية، أدركتُ أن نجاح أي وجهة سياحية لا يُقاس فحسب بـ “كم” الموارد التي تملكها، بل بقدرتها على تحويل تلك الموارد إلى “تجربة متكاملة ومقنعة”. وهنا تحديداً تبرز تونس كواحدة من أغنى الدول سياحياً، لكنها -بكل تجرد- لم تستثمر كامل إمكاناتها الكامنة بعد.
المقومات التنافسية: ثروات مهملة
ما يميز تونس أولاً هو موقعها الاستراتيجي الفريد؛ فهي قلب المتوسط النابض، وتبعد ساعات قليلة عن أهم الأسواق السياحية الأوروبية. هذا القرب ليس مجرد جغرافيا، بل هو ميزة تنافسية حاسمة في عالم يبحث فيه السائح المعاصر عن وجهات قريبة، آمنة، وسهلة النفاذ.
ثانياً، تمتلك تونس تنوعاً بيئياً نادراً؛ من شواطئ ممتدة وصحراء ساحرة إلى جبال وغابات ومناخ معتدل على مدار العام، مما يؤهلها لتقديم “منتوج سياحي ممتد” يكسر قيود الموسمية الضيقة التي حصرنا أنفسنا فيها لعقود.
ثالثاً، الرصيد الحضاري الاستثنائي. من “قرطاج” العظيمة إلى “قيروان” التاريخ، تمتلك تونس عمقاً تاريخياً يمكن تحويله إلى مغناطيس جذب عالمي إذا ما أُحسن تسويقه.
رؤية استراتيجية: من “تونس” إلى “قرطاج”
وهنا أطرح، من منظور تسويقي واستراتيجي، فكرة تستحق النقاش الجدي: لماذا لا يتم إعادة النظر في اسم العاصمة ليصبح “قرطاج”؟
فكما تستمد روما في إيطاليا قوتها من رمزيتها التاريخية، وكما تجسد أثينا عمق اليونان الحضاري، فإن اسم “قرطاج” يمتلك صدىً كونياً في الوعي الجمعي الدولي، ومن شأن هذا التغيير أن يمنح تونس علامة تجارية (Branding) أقوى وأكثر جاذبية في الأسواق العالمية.
القيروان والنقل البحري: محركات النمو الجديد
وعلى صعيد السياحة الدينية والروحية، تملك مدينة القيروان كل المقومات لتكون عاصمة لهذا النمط في شمال أفريقيا، شريطة تطوير بنيتها التحتية والترويج لرمزيتها الروحية بشكل عصري.
أما النقطة الغائبة عن خططنا التطويرية، فهي الساحل التونسي الممتد. إن تطوير “النقل البحري بين المدن الساحلية” يمثل رافعة سياحية واقتصادية حقيقية.
تخيل تجربة زائر ينتقل بحراً بين المدن من الشمال إلى الساحل ثم الجنوب، في رحلات منظمة تجمع بين الراحة والاستجمام. هذا النمط المعمول به في أنجح الوجهات المتوسطية، سيحول عملية “التنقل” من عبء لوجستي إلى “منتوج سياحي” قائم بذاته، يخفف الضغط على الطرقات ويثري تجربة السائح.
خارطة الطريق: نحو سياحة مستدامة
إن استثمار نقاط القوة الأخرى كـ العنصر البشري المعروف بحسن الاستقبال، والتكلفة التنافسية، يتطلب من وزارة السياحة والجهات المعنية تبني رؤية جريئة ترتكز على:
- تنويع المنتوج: الانتقال من سياحة “الشمس والبحر” إلى سياحة الأعمال، السياحة الريفية، الثقافية، والدينية.
- الابتكار في النقل: تحويل البحر من حدود جغرافية إلى شريان تنقل سياحي نابض.
- تجويد الرحلة: تحسين “تجربة السائح” في كافة مراحلها، من لحظة الوصول إلى المطار حتى المغادرة.
- الهوية البصرية: استثمار الرموز التاريخية (مثل قرطاج) كأدوات تسويق دبلوماسية وثقافية.
الختام
تونس لا ينقصها شيء.. سوى القرار.
قرار يعيد تقديم “قرطاج” للعالم، ويمنح القيروان مكانتها المستحقة، ويحول سواحلنا إلى مسارات للإبداع والنمو. إنها دعوة للابتكار خارج الصندوق، لنصنع من تونس الوجهة الأولى التي تستحقها حقاً.




